الإثارةعندنا تسير على طريق سريع من مسربيْن : إثارة عاطفية وأخرى غرائزية ,والأخيرة لهاالحظ الأوفر في ما يلي من سطور.فيالبكائيات ما أسرعنا في الكرم بالدموع إذا شاهدنا مناظر مؤلمة ولو كانت من خلالأغاني . لعله من الصعب قياس كمية الدموع العربية التي تُذرف حين مشاهدة أغاني وطنيةوحماسية عن ممارسات الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين , أو عن ما آلت إليه الأوضاع في العراق.على الخطالموازي من ذلك , لا غضاضة أن نعترف أن الغالبية أقرأ باقي الموضوع »
قد تقول قلة بالقول- عساها تظل قلة- إن الموضوع مكرر, وأن ثمة قضايا أكثر أهمية لإثارة النقاش حولها
. نعم مكرر وسيبقى يتكرر ما دامت تتفشى عقول ذكورية متعفنة تتساهل معها القوانينالوضعية والعادات السائدة. لا يُعقل أبداً أن تؤجل قضايا فيها أرواح تُزهَق ودماءتُهْرَق, بحجة الهمّ الوطني والسياسي,الذي تذرعت به ثلة لتبرير ما لا يُبرَر.
هيجرائم قرف بالمعنى الدقيق بل وأكثر. كل سنة تُقتل مئات الفتيات بذريعة غسل العار،ولا توجد أرقام دقيقة نظراً للتعتيم على كثير من جرائم مماثلة. حان الوقت لانتفاضةمجتمعية على القوانين المعمول بها والعادات التي تسيطر على سلوك الذكور.
الجريمةجريمة,ولا يلطف من وقعِها لصقُها بعبارة “الشرف”. قد تؤتي هذه الانتفاضة أكُلَهاإذا تسلحت بالأصول الدينية والمنطقية، ووجدت النية الصادقة للدفاع عن العذارىاللائي يذهبن ضحية شبهات في كثير من الآونة، والقاتل يحتمي بقوانين تبقيه خلفالقضبان لبضعة أشهر, أو سنوات قليلة كأقصى حد, لأنه ” غسل العار” لا أكثر!!. كانالأجدى غسل العقول، وعدم استرخاص أرواح ودماء البنات.
علاوة على القوانينالمتساهلة، والتي من المعيب والشائن أنها ما زالت حية ً في أروقة المحاكم، تكونتطرق التفافية لتجنب حتى الاعتقال المخفف، مثل استخدام الأحداث ليعترفوا همبارتكابهم الجريمة نظراً لانعدام الأحكام الجنائية لمن هم دون سن الثامنة عشرة، كماحدث في إحدى القرى السورية منذ حين قريب.
وللموضوعية فإن مثل هذه الحادثة تحصل فيكل الدول العربية. لا غضاضة في الجزمهنا أن الجاني لم يستهن بروح الفتاة المغدورة فقط، إنما دمر مستقبل الطفل، ونقل لهعدوى تعفن العقل ووحشية السلوك.
سيكبر هذا الطفل وتنمو معه النزعة الذكورية التييحسب أنها تبيح له امتلاك ولاية تطبيق القانون بالطريقة التي يشاء وضد من يريد. إذا كانت مسألة الشرفتجعل الأب أو الأخ أو الإبن قاتلاً ومجرماً، فلعله من الجدير التذكر أن الشرف ليسمن نصيب الإناث وحدهن، للذكور أيضاً شرف.
وسواء تعلق الأمر بالأنثى أو بالذكر، فليسالسيف هو الذي يجب أن يسبق العذل. دينيا ً, القصاص واضح إذا إثبتت الحادثة، والجهةالتي تنفذ القصاص والعقوبات أوضح من الشمس، ولم يُتْرك الأمر لأي كان حتى يصبحالقاضي والجلاد يمارس ساديته الذكورية بحق من استوصى بهن الرسول، صلى الله عليهوسلم، خيراً.كم نحن، “الشرقيين“،ننتفض لأشياء ونخمد إزاء أخرى.
أوشكت التظاهرات أن تغرق شوارع المدن العربيةاحتجاجاً على قرار فرنسا منع الحجاب في مدارسها، وهي قضية, وإن كانت في صلب الدين, ضحاياها من غير المُدرَجين على قائمة القتل والوأد.
وأقام كثيرنا الدنيا ولم يقعدهااستنكاراً لرواية أو مسرحية. من نافلة التخيل أن حالنا المجتمعية ستكون أفضل وأنقىلو أن نصفا ً من تلك التظاهرات ينصف الفتيات المغدورات في بلادنا. وأن يرفع الصوتعالياً مجاهراً بالقول أرواح وحيوات الفتيات ليست هشيماً تذروه رياح الشبهات،
ولاهي لعبة تعبث بها الأيادي الذكورية الآخذة بالأسباب المخففة. هذا هو وقت اعتبارالقاتل بغير حق قاتلا ً ومجرماً من دون أي اعتبار,وإلا فإننا سنجنح نحو مزيد منالغرق في مستنقعات الجاهلية حيث وأدُ البنات جزء من وحْلِها.